محمد هادي معرفة
437
التمهيد في علوم القرآن
ومن هذا الضرب قوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا « 1 » وإنّما قيل : « لقد جئتم » وهو خطاب للحاضر ، بعد قوله : « وقالوا . . . » وهو خطاب للغائب ، لفائدة لطيفة ، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجرأة على اللّه سبحانه ، والتعرّض لسخطه ، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه ، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه صاغرين منكرا عليهم وموبّخا لهم . ومن هذا الباب قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ « 2 » . فبدأ بالغيبة « ألم يروا . . . » وختم بالخطاب « نمكّن لكم » . قيل : لنكتة هي : حثّ السامع وبعثه على الاستماع . حيث أقبل المتكلّم عليه ، وأعطاه فضل عناية وتخصيص بالمواجهة . ومنه أيضا قوله تعالى : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً . إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً « 3 » فهو تشريف لمقامهم بالحضور لديه ، وتفخيم لشأنهم . ومنه : إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ « 4 » . وهذا الالتفات هنا كان لأجل تخصيص الحكم بشخصه ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، فلا يعمّ المسلمين ، فيما لو توهّم متوهّم أنّ ذكره كان للتمثيل لا للتخصيص . وهذا نظير ما قالوه بشأن آية الإسراء « 5 » من أنّ الوجه في العدول من الغيبة
--> ( 1 ) سورة مريم : 88 و 89 . والإدّ : الأمر المنكر المثير للجلبة ، من قولهم : أدّت الناقة إذا رجعت حنينها ترجيعا شديدا . والأديد : الجلبة . ( 2 ) الأنعام : 6 . ( 3 ) الانسان : 21 و 22 . ( 4 ) الأحزاب : 50 . ( 5 ) قوله : « سبحان الذي أسرى بعبده - إلى قوله - لنريه . . . » انتقالا من الغيبة إلى التكلّم عن النفس .